ابن أبي أصيبعة

314

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

الحادة استدعى كوز ماء مثلوج فأعطاه الوزير فتوقف عن شربه ثم أنه جمع بين الشهوة وترك المخالفة وشربه فقويت في الحال نفسه ثم استدعى فاصدا ففصده وأخرج له دما كثير المقدار وسقاه ماء البزور ولعابا وسكنجبينا ونقله من حجرة الحمام إلى الخيش وقال له إن الوزير أدام الله عافيته سينام من بعد الفصد ويعرق وينتبه فيقوم عدة مجالس وقد تفضل الله بعافيته ثم تقدم بصرف الخدم لينام فقام الوزير إلى مرقده وقد وجد خفا من بعد الفصد فنام مقدار خمس ساعات وانتبه يصيح بالفراش فقال صاعد للفراش إذا قام من الصيحة فقال له يعاود النوم حتى لا ينقطع العرق فلما خرج الفراش من عنده قال وجدت ثيابه كأنها قد صبغت بماء الزعفران وقد قام مجلسا ونام ثم لا زال الوزير يتردد دفعات إلى آخر النهار مجالس عدة ومن بعدها غذاه بمزورة وسقاه ثلاثة أيام ماء الشعير فبرأ برأ تاما فكان الوزير أبدا يقول طوبى لمن سكن بغداد دارا شاطئة وكان طبيبه أبو منصور وكاتبه أبو علي بن موصلايا فبلغه الله أمانيه فيما طلب ونقلت أيضا من خط ابن بطلان أن صاعد الطبيب عالج الأجل المرتضى رضي الله عنه من لسب عقرب بأن ضمد المكان بكافور فسكن عنه الألم في الحال ونقلت من خط أبي سعيد الحسن بن أحمد بن علي في كتاب ورطة الأجلاء من هفوة الأطباء قال كان الوزير علي بن بلبل ببغداد وكان له ابن أخت فلحقته سكتة دموية وخفي حاله على جميع الأطباء ببغداد وكان بينهم صاعد بن بشر حاضرا فسكت حتى أقر جميع الأطباء بموته ووقع اليأس من حياته وتقدم الوزير في تجهيزه واجتمع الخلق في العزاء والنساء في اللطم والنياح ولم يبرح صاعد بن بشر من مجلس الوزير فعند ذلك قال الوزير لصاعد بن بشر الطبيب هل لك حاجة فقال له نعم يا مولانا إن رسمت وأمرت لي ذكرت ذلك فقال له تقدم وقل ما يلج في صدرك فقال صاعد هذه سكتة دموية ولا مضرة في إرسال مبضع واحد وننظر فإن نجح كان المراد وإن تكن الأخرى فلا مضرة فيه ففرح الوزير وتقدم بأبعاد النساء وأحضر ما وجب من التمريخ والنطول والبخور والنشوق واستعمل ما يجب ثم شد عضد المريض وأقعده في حضن بعض الحاضرين وأرسل المبضع بعد التعليق على الواجب من حاله فخرج الدم ووقعت البشائر في الدار ولم يزل يخرج الدم حتى تمم ثلاثمائة درهم من الدم فانفتحت العين ولم ينطق بعد فشد اليد الأخرى ونشقه ما وجب تنشيقه ثم فصده ثانيا وأخرج مثلها من الدم وأكثر فتكلم ثم أسقي وأطعم ما وجب فبرئ من ذلك وصح جسمه وركب في الرابع إلى الجامع ومنه إلى ديوان الخليفة ودعا له ونثر عليه من الدراهم